الإمارات: صعود استراتيجي في عالم التجارة العالمية – تحليل سلطان حميد الجسمي

مرونة الاقتصاد الإماراتي في التجارة العالمية

في عصر يتسم بسرعة التحولات الاقتصادية وازدياد المنافسات الجيوسياسية، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كإحدى أكثر الاقتصادات قوة وتكيفاً في مجال التجارة العالمية. هذا الإنجاز هو نتاج رؤية استراتيجية طويلة الأمد وإرادة سياسية قوية بجانب بنية تحتية متطورة وسياسات تجارية ذكية. تمكنت الإمارات من تعزيز مكانتها كقوة تجارية بارزة بعيداً عن الاعتماد على النفط. وقد أشار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، في تغريدة ملهِمة، إلى أن التجارة الخارجية غير النفطية للدولة قد بلغت نحو 1.7 تريليون درهم في النصف الأول من عام 2025، مسجلة زيادة قدرها 24% مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، بينما بلغ معدل نمو التجارة العالمية 1.75%. كما بيّن سموه الارتفاعات الملحوظة في التبادل التجاري مع دول عدة كارتفاع بنسبة 120% مع سويسرا و41% مع تركيا و33% مع الهند و29% مع الولايات المتحدة و15% مع الصين. واختتم سموه بالتأكيد على الأمل والثقة في المستقبل بقوله: «الأرقام تتحدث عن علاقاتنا الاقتصادية مع العالم… وتقول إن القادم أجمل وأعظم بإذن الله».

توسع التجارة الخارجية للإمارات

تصور هذه الأرقام نضج السياسات الاقتصادية الإماراتية ونجاحها في بناء نموذج تنموي متوازن. من خلال تبني سياسة التنويع الاقتصادي، تمكنت الإمارات من تقليل اعتمادها على النفط وتوجيه مواردها نحو تطوير قطاعات بديلة ذات قيمة مضافة مثل الصناعة المتقدمة والخدمات المالية والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية. تمثل التجارة الخارجية غير النفطية محوراً أساسياً في هذه الاستراتيجية، حيث تعكس صحة الاقتصاد واندماجه مع الأسواق العالمية.
إن تحقيق 1.7 تريليون درهم من التجارة غير النفطية في ستة أشهر هو دليل على نجاح القيادة الرشيدة للإمارات، التي وضعت استراتيجية شاملة ومستدامة لتعزيز مكانة الدولة في نظم التجارة العالمية، وهي رؤية واقعية تم تنفيذها من خلال الخطوات المدروسة تحت توجيه وبمتابعة من قيادتها.
يعكس هذا الإنجاز أيضًا كفاءة البنية التحتية والقدرة على تكامل سلاسل الإمداد، حيث لعبت الموانئ والمناطق الحرة والشبكات النقل الذكية والمطارات دوراً كبيراً في تسريع حركة التجارة، مما جعل الإمارات مركز ربط بين الشرق والغرب. كما ساعد التحول الرقمي على تبسيط الإجراءات التجارية وزيادة الشفافية من خلال خفض التكاليف التشغيلية، مما عزز جاذبية الدولة كمحور إقليمي للتجارة والاستثمار.
وعلى صعيد العلاقات الدولية، اتضحت سياسة الانفتاح التجاري في توسع شبكة الشراكات الاقتصادية من خلال اتفاقيات تعاون وتبادل حر تتيح فتح أسواق جديدة، وتُعتبر الزيادة الكبيرة في التجارة مع دول عديدة دليلاً على نجاح الإمارات في بناء علاقات استراتيجية متنوعة بدلاً من التركيز على التجارة التقليدية.
تمكنت الإمارات من المحافظة على مراكز متقدمة في مؤشرات التنافسية العالمية وسهولة ممارسة الأعمال، مما يعكس فعالية الأداء المؤسسي وقابلية الدولة للتكيف مع النمو المتسارع. تمنح هذه المكانة الإمارات دوراً أكبر في صياغة التوجهات الاقتصادية على المستوى الإقليمي والدولي.
كما أسهم القطاع الخاص الإماراتي بشكل فعال في دعم التجارة عبر الشركات الوطنية الكبرى والمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي استفادت من الحوافز والبنية التحتية، وهو ما جعل الإمارات نموذجًا اقتصاديًا فريدًا يعتمد على الشراكة الفعالة بين القطاعين العام والخاص.
مع هذه التطورات، تظل آفاق التوسع التجاري واعدة، حيث تسعى الإمارات لدخول أسواق جديدة في آسيا الوسطى وإفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى جانب التركيز المتزايد على الاقتصاد الأخضر والصناعات المتقدمة والخدمات الرقمية العابرة للحدود، مما يُشير إلى استمرار النمو في التجارة الخارجية غير النفطية خلال السنوات القادمة.
تعزز هذه الإنجازات رؤية القيادة في بناء اقتصاد معرفي وتنافسي يعتمد على الابتكار والتنوع، تحت إشراف مباشر عبر تحفيز القطاع الخاص وتطوير التشريعات. إن نجاح الإمارات في مجال التجارة العالمية ليس مجرد نتيجة وفرة الموارد، بل هو نتيجة للاستثمار الذكي وإدارة هذه الموارد بشكل فعال، مما جعل منها نموذجًا عالميًا للنمو المستدام والتأثير الإيجابي.