الاستثمار الاجتماعي في السعودية: تطور واحتياجات
دخلت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة مرحلة متقدمة من النضج الاقتصادي والاجتماعي، حيث لم يُعتبر الاستثمار الاجتماعي خيارًا ترفيهيًا بل أصبح ركيزة أساسية ضمن رؤية 2030 للتنمية الوطنية. ومع الأنجازات التي تحققت، فإن الفجوة بين المفهوم النظري والتحول المؤسسي الفعلي لا تزال قائمة.
الاستثمار المجتمعي: التحولات والتحديات
لقد شهدنا خطوات مهمة في تطوير خطط العمل في هذا المجال، بدءًا من تأسيس المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي في عام 2019، والذي أطلق عدة لوائح مهمة مثل تنظيم المسؤولية الاجتماعية وتنظيم الاستثمارات في القطاع غير الربحي. كما ساهمت منصة “إحسان” في توفير قناة رقمية لجمع التبرعات، مما يعكس زيادة المشاركة من الشركات.
شهد عدد الشركات التي تنشر تقارير عن المسؤولية الاجتماعية زيادة كبيرة، حيث ارتفع من أقل من 20 شركة في عام 2016 إلى نحو 140 شركة في عام 2023. ومع ذلك، فإن أقل من 30% من هذه الشركات تربط مساهماتها بأثر اجتماعي مُقاس، مما يتطلب العمل على تقديم رؤى تحليلية واضحة.
بالرغم من هذه الجهود، لا تزال هنالك تحديات تحتاج إلى مواجهة. من أبرزها غياب المعايير الواضحة للأثر الاجتماعي، حيث تصف العديد من الجهات مشاريعها بأنها “استثمار اجتماعي” دون وجود أدوات قياس مثل نظرية التغيير أو العائد الاجتماعي على الاستثمار. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر القدرات التحليلية في القطاع غير الربحي ضعيفة، حيث لا تمتلك أكثر من 75% من الجمعيات الخيرية أدوات قياس أثر واضحة، ولا توجد هيئة تصدر تقريرًا وطنيًا شاملًا حول الاستثمار الاجتماعي.
إضافة إلى ذلك، تفتقر السوق إلى الحوافز اللازمة، إذ لا تزال الحوافز الضريبية غير مفعلة، والتمويل البنكي لصناديق الأثر الاجتماعي غير موجود بشكل فعلي.
لضمان التحسينات المستدامة، يجب وضع خطة واضحة تتضمن تحديد معايير وطنية موحدة لقياس الأثر الاجتماعي، وتفعيل دور الوسطاء الاجتماعيين لتيسير العلاقة بين المستثمرين والجهات المنفذة. وكذلك، وإنشاء مؤشر سنوي للاستثمار الاجتماعي في السعودية يُصدر عن هيئة مستقلة لقياس المشاريع وقيمة التمويل والقطاعات المستهدفة ومستوى الأثر.
علاوة على ذلك، ينبغي التركيز على دمج التعليم بالمجال الاجتماعي، من خلال إدخال مقررات دراسية تعزز من وعي الطلاب بفرص الاستثمار الاجتماعي وتحفزهم على تقديم حلول ذات أثر اجتماعي.
في النهاية، يجب أن نستمر في الطريق نحو تعزيز الاستثمار الاجتماعي ليصبح نموذجًا يحتذى به على مستوى العالم، من خلال الانتقال من النية الطيبة إلى النتائج الملموسة، ومن المبادرات الفردية إلى استراتيجيات وطنية شاملة. نحن بحاجة إلى جيلاً جديداً يسعى لتحقيق الاستدامة والازدهار للمجتمع كما فعل عمر بن الخطاب في تفكيره حول استثمار الأموال.
تعليقات